القاضي عبد الجبار الهمذاني

36

تثبيت دلائل النبوة

فمن ذلك أشياء نزل القرآن بها قبل كونها . فمن ذلك قصة أبي لهب ، وقد كان من المؤذين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، والمجردين / في مكروهه وطلب نفسه ، وفي الصدّ عن اتباعه ، فبشره اللّه بأن ذلك لا يضره صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا يغني عن أبي لهب فيما قصد ما كسب من جاه ومال وأهل وولد وصداقة واخوان ، وانه يخسر ذلك كله ، وانه وامرأته يموتان على الكفر به ويصيران إلى النار . نزل ذلك بمكة وهما حيّان سليمان ، فكان ذلك كله على ما قال وعلى ما أخبر وكما فصّل وفسّر . وهذه غيوب كثيرة لا يكون مثلها بالاتفاق ولا بالحدس ولا بالزرق « 1 » ، ولا يتفق لحذّاق المنجمين أقل القليل من هذا . ومن عجيب الأمور انها نزلت بمكة ، وتلاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وسمعها أبو لهب وجميع أعداء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من قريش والعرب وغيرهم وهم أعوان أبي لهب ، فهاجهم هذا القول في عداوته ، وزاد في غيظهم وحنقهم ، وأذكرهم بنفسه وهو معهم وفي أيديهم وفي قبضتهم ، فما ضره ، ولا تمّ لهم أمر في الظفر بقتله ، ولا على زلة يتبين فيها كذبه وسقوط قوله ، وهذا لا يقدم عليه العاقل إلا وهو على غاية الثقة بما يقول ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ممن لا يدفع عدوّه عقله . ومنذ نزلت هذه السورة وإلى هذه الغاية يحرص أعداء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ان يجدوا في ذلك مطعنا فما وجدوا . وقد رجع بعضهم إلى بعض في ذلك وتشاوروا فيه ، وتعاضدوا وتعاونوا ، فكان عليه ما انتهى إليه كيدهم أن قالوا : لما رأى عمه وامرأته قد صمما في تكذيبه وعداوته قال ذلك فيهما .

--> ( 1 ) الزرق : الخداع ، وفي اللسان : رجل زراق اي خداع .